سهيلة عبد الباعث الترجمان

436

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

طريق الصفة الثبوتية النفسية التي هو سبحانه في نفسه عليها ، وما أدرك العقل إلّا صفات السّلوب لا غير وسمى هذا معرفة « 1 » . ولكن المعرفة الحقيقية كما يعرفها أهل الطائفة تأتي عن طريق المشاهدة ، فالمشاهدة عند الطائفة رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، ورؤيته في الأشياء وحقيقتها اليقين من غيرك . لذا قالت الطائفة في المشاهدة : أنها تطلق بإزاء ثلاثة معان منها : مشاهدة الخلق في الحق وهي رؤية الحق في الأشياء ، ومنها مشاهدة الحق بلا خلق وهي حقيقة اليقين بلا شك وفي هذا تحقق كامل للمعرفة فيقول : أوقفني الحق في شهودي * جودا وفضلا على وجودي فقمت شكرا به إليه * أرغب في لذة المزيد فزادني جوده علوما * باللّه في نسبة الوجود إليه ، سبحانه تعالى * يرى على الكشف والشهود لا يعرف اللّه غير قلب * كالبدر في منزل السّعود يرقى إليه ، يجيء منه * ما بين بيض وبين سود « 2 » فالمعرفة الحاصلة في المشاهدة لم تأت عن طريق المحبة فقط ، ذلك أن عنصر المحبة التي تؤدي في نهاية شدتها وقوتها إلى مشاهدة آثار الحقيقة الإلهية ، ولكنه أضاف عنصرا آخر له أثره في تحقيق هذه المشاهدة القلبية التي يشاهد بها الصوفي الحقيقة كما تتجلّى له وهو عنصر الذّكر ، إذ يتحقق شهود العبد للحق بذكر اللّه ، حيث تتجلّى له الحقيقة بكمالها ، يقول ابن عربي : " الذكر الحقيقي الذي هو مجالسة بين العبد والحق ، وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلّا من ذكر اللّه الذّكر المطلوب منه " « 3 » . فبالذكر الحقيقي يكشف عن حقيقة الصلة بين الذاكر والمذكور وبين قدر الإنسان الذي تميز عن سائر الكائنات واختص بمجالسة اللّه ، فالحق جليس من ذكره . وفي هذه الصورة للمشاهدة الحقة يرى " أن الجليس مشهود للذاكر ، ومن لم يشاهد الذاكر الحق

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 270 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 527 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 168 .